غير مصنف

الرواية فائدة و متعة.

كثر الكلام في الفترة الأخيرة حول المنفعة العائدة على المثقف من قراءة الروايات،
والحقيقة أن أغلب المثقفين يعتقدون أن الرواية للمتعة بالدرجة الأولى..
لكنني سأوضح رأيي على شكل نقاط
أولاً يجب أن أشرح نظرتي للأدب التي قد لا تخلو من صواب أو خطأ ثم سأجتهد في عرضي للرواية كإبنة لهذا العلم..
قلت أن الأدب علم نعم فالأدب علم علاوة على كونه فن
فهو علم له قواعد وثوابت وأصول وفروع
ثم هو فن يقتات من المخيلة والحس الإبداعي ويولد الجمال
كالحال في القصيدة والنثر والرواية..

للأدب ميزة أخرى بأنه يخالط كافة العلوم في انتاجه فللأدب حرية مطلقة في أن يُستخدم كتعبير عن آراء وهموم وتاريخ البشرية
لإنه يعبر عنهم وقد يكون هذا صراحة أو مجازاً وهذا أيضاً مما لا يستهان به
الأدب كالشعر والمقامة والمقالة والرواية تتناول مواضيع علمية أو تاريخية أو عاطفية وقد تدخل في أدق ما يختلج النفس البشرية حول الإله وطبيعة الأشياء و بداية الخلق كأدب الأساطير ونحوه أو قد تتناول العلوم الكونية و الفلسفة .

حسناً حول ما نرى هل الرواية بشكل خاص للمتعة فقط؟
نعم أنا أرى أيضاً أن قراءة الرواية بالدرجة الأولى للمتعة و لتقوية اللغة أو إثراء المخيلة أو سبر أغوار النفس
أو التعرف على نفسيات أجيال سابقة في زمن سابق
لكن هذا يعتمد أولا ودائماً على “الاختيار” وهذا الاختيار عامل قائم في كل علم تقرأ فيه فأنت تختار بعناية من أي مرجع تقرأ في أي نظرية أو فكرة، تبحث عن الكتب المؤلفة أولاً ثم المناقضة ثم الكتب التي تحلل هذا العلم ثم رأي الجيل الجديد و التحولات التي طرأت وقد تقرأ الرأي المعارض من الجيل الجديد وهكذا ..
و أثناء اختيارك هذا أنت تختار أسماء الكتب والكتاب بعناية فأنت تعرف أن هذا كاتب صاحب الفكرة الأولى أو صاحب النظرية ثم هذا كاتب مفكر وهذا باحث يجمع الأفكار وهذا يلخص النتائج وهذا ممل وذلك متحيز لرأي و هكذا
فأنت في النهاية تقيم ذوقك الجيد إلى جانب الخبرة و الفكر المرن في استقبال المعلومة لإنك تريد تكوين رأيك على نور و معرفة واضحة لا تريد رأياً قاصرا
هكذا تقريباً ما يجب عمله مع الرواية
يجب أن تفهم أن الملايين من الروايات المتوفرة و المعروضة و المشهورة عالمياً حتى قد لا تتناسب مع ما تطلبه أنت !
فالرواية التاريخية مثل ثلاثية غرناطة أو الطنطورية أو شوق الدرويش مثلاً لا تعتبر مراجع تاريخية حتى لو تسلسلت الأحداث تسلسلا تاريخيا ولو كانت الشخصيات المزامنة للرواية شخصيات حقيقية
لكنها تدخلك في ذلك التاريخ لتباشر عن قرب ماكان يحدث قد تشعل لك شعلة أولى للبحث في التاريخ أو تؤنس لك قراءة كتب التاريخ الطويلة والمملة
كما أن رواية تتناول آثام البشرية وتناقضاتها كالجريمة والعقاب مثلا لا تقدم لك تحليلاً دقيقاً للإنسان ولا للعائلة ولا النبل ولا الجريمة لكنها تدخلك لمدخل الانسان المتناقض ،
الانسان الذي يمكنه أن يقتل لكنه لازال يملك ضميرا يوجعه
رواية عن الفن الإسلامي والنقش مثل رواية اسمي احمر لا تعطيك خلفية تاريخية كاملة عن نشوء فن النقش الإسلامي ولا تقدم لك صوره وأنواعه كاملة مهما حرص الكاتب على هذا
لكنها تقيم بينك وبين ذلك الفن علاقة من نوع ما..
رواية فلسفية مثل رواية عالم صوفي تهذب أوليات الفلسفة، تدخلك للفلسفة كمقدمة ممتعة وشيقة كما لو أنها تنفض رفوف الفلسفة في ذاكرتك و تفندها في فصول ترتبط ذهنياً مع فصول الرواية

كما أن الرواية تتناول جوانب أخرى غير موضوعها الأساسي وهذا مما يزيد التشويق ويثري الحبكة.


إذاً يجب عليك أن تنتقي الروايات التي تتناسب مع ذوقك
كما أن تختار روايات جيدة اللغة أو الترجمات الجيدة منها
كذلك أن تجعل الرواية فاصلاً بين كتب علمية وحبذا لو قرأت رواية تاريخية عن زمن معين قبل كتاب تاريخي عن ذلك الزمن ستشعر بمتعة جميلة عند مقارنة الأحداث وربطها وسيكون أثبت للمعلومة بالطبع
أو أن تقرأ رواية ثم تقرأ التحليل العلمي لها عند كتّاب كبار أو كتّاب صرّحوا بتأثير بعض الروائيين أو روايات على تفكيرهم ..
مثلا
مثلا الكاتب جلال أمين تأثر تأثراً بالغاً و هذا تأثير هو بنفسه صرح به في بعض كتبه وفي سيرته الذاتية أكثر من مرة لأنه رأى مناسبة الرواية ١٩٤٨ على أفكاره ثم رأى أثرها وكان يقيم المجتمعات أحيانا على أساسها
كذلك الكاتب التجديدي عبد الكريم سروش كان قد تأثر بجلال الدين الرمي و جلال الدين الرومي كتبت عنه روايات من أجملها” قواعد العشق الأربعون- إليف شافاق”
كذلك كان لفرويد رأي وتحليل نفسي وبيولوجي لشخصية دويستويفسكي مبنياً على رواياته “الأخوة كارامازوف والمقامر”طالع التحليل كاملاً في كتاب فرويد”التحليل النفسي والفن دافينشي -دوستويفسكي”
كذلك كتب ألبرتو مانغويل مثل فن القراءة يتحدث عن روايات عالمية معروفة و الكاتب عموما يهذي كثيراً بالخيال والربط بين الروايات
كما لا يمكننا التقليل من إنتاج هائل أو علم أو فن بهذا الحجم لمجرد أنه لا يتناسب مع ذوقنا
فالكتابة الروائية من أصعب أنواع الكتابة
أضف لأنها تحتاج خلفية ثقافية ولغوية
كما أنّ الشهرة الأدبية تستمر، فهي غالباً تبقى بنفس تشويقها وفائدتها بعكس بعض الكتب الفكرية والعلمية مع الوقت تفقد قيمتها وأهميتها..
هذا اعتقادي الشخصيّ، والذي أعمل به كثيراً
فلا أرى أن ثقافتي أنقصتها الروايات ولا شعرت أن الرواية سرقت وقتي.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s